تسعينيات القاهرة – عقد الاعترافات الحميمة

0 33



كان عقد التسعينيات هو عقد الاعترافات الحميمة، وسرد تفاصيل البيوت والعائلة، والأصدقاء والجيران وغرف العمل، والحبيب والحبيبة، وكل مناحي الحياة اليومية؛ في القصائد والروايات والقصص المنشورة آنذاك. وربما لأن هذه الاعترافات جاءت في لحظة فارقة سائلة تعيش تحت ضغط تحولات عنيفة، وفي انتظار قرن جديد على الأبواب، بفاتورة ذات جديدة؛ لذا كان هناك هاجس ملح وربما واجب، أن تتحرر هذه الذات، بواسطة هذه الاعترافات، لتكون أكثر خفة وهي تدخل هذا القرن الجديد. أيا كان السبب أو الدافع، فقد كان لا بد للذات من أن تغير جغرافيتها وسرِّيتها القديمة وتنفتح حتى ولو على حساب قدسية الاعتراف نفسه. فقد كانت هذه الاعترافات تسديدا لدين قرن كامل كانت سرِّيته أكثر بكثير من علانيته.

***

كان هناك مصطلح آخر يقف وراء مصطلح “الاعترافات”، ألا وهو “التجربة الشخصية”. فوسط هذا السيلان والتحولات العنيفة لمصر والعالم، وفقد الثقة في كل ما هو له شكل نظري مكتمل؛ تم اللجوء للتجربة الشخصية كملاذ أخير، للجزء المخفي منها، مثل لوح الخشب الطافي المتبقي من حطام السفينة الكبيرة الغارقة، الذي طفت به الذات باتجاه القرن الجديد. تلك التجارب الشخصية كانت تقف في العراء، تعيش بين نقيضين (الماضي والمستقبل) تحاول أن تصل بينهما، ومفصولة عن أي مرجع له قيمة في ذلك الوقت له القدرة على تثبيتها، أو إشعارها بالأمان أو الدفء، سوى مرجع “التجربة الشخصية”، وكل ما يحوطها من أصدقاء وأسرار وعلاقات وتابوهات، حيث ينام الماضي.

***

ربما، بسبب هذا الضغط الهائل لهذه اللحظة الهوجاء؛ فقد “السر” أو فعل “الاعتراف” نفسه، قدرته التدميرية المطلوبة، ولم تصاحبه تلك “الطاقة” التي تتولد منه، والتي ستمنح “الذات” القوة لتنتقل من مكان نفسي إلى مكان نفسي جديد، أكثر حيوية، وأكثر خفة. ربما تم إهدار هذه القوة الكامنة في فعل “الاعتراف”، وتحول إلى ما يشبه الاعتراف الدينى اليومي المعتاد، الذي فقد طاقته التحويلية. ربما السبب أن هذه الذوات المعترفة، في القصائد والأشعار والروايات، لم تكن مستعدة بتركيبها في ذلك الوقت، كي تتنصت على سرِّيتها وأزمات وجودها بدقة. فتحولت الكتابات إلى أسرار باهتة منزوعة من سياق أكبر، وليست أزمات وجود عاصفة، والتي ارتبطت بالاعترافات دوما كالقديس أوغسطين أو جان جاك روسو.

***

ظهر شيء جديد، من خلال هذه الاعترافات والوقائع اليومية المسرودة، ربما أهم من الاعترافات نفسها، ألا وهو “المكان” الذي يحتوي “الفعل” أو واقعة الاعتراف. أصبح “المكان” ممثلا داخل الكتابات أكثر من “الزمان”. وتناثرت التفاصيل اليومية في كل مكان تنشئ للاعتراف أو واقعة الحياة اليومية الديكور/ السياق الذي سيعيش فيه. ربما من وقتها أيضا نشأ عن مفهوم “المكان” إلى مفهوم “المكان المجازي”، الذي يحتوي جملة أحداث أو أفكار تتمحور حول واقعة/ فكرة معينة (الحب – الجنس – الإيمان – الله)، ذلك المكان المجازي الذي بنته المخيلة لترى خريطتها بوضوح نسبي وسط عالم متغير وشديد التنازع والتشرذم.

***

كانت “التسعينيات”، في رأيي، عقد استهلاك وانتهاك المقدس الدينى والاجتماعي معا، عبر هذه الاعترافات التي استهدفته في الأساس. فظهر إحساس بأن هذا المقدس الدينى/ الاجتماعي في طريقه إلى النسيان. ولكن مع ظهور عقد جديد وألفية جديدة، ووسائل اتصال جديدة؛ ظهرت قوة كبيرة ممثلة لهذا المقدس الديني/ الاجتماعي،  والذي سيعاد بعثه من جديد في الألفية الجديدة بعد مجتمع الجماهير الذي أتاحت ظهوره الميديا الحديثة.

كان الانتهاك للمقدس في التسعينيات يتم عبر جيتوهات مغلقة للغاية. كأن هذا “الجيتو المغلق” أخذ دور القيادة، وذهب خطوة، مع لا وعيه وما يحتويه من أفكار ونقد للمقدس، للأمام، وناب عن المجتمع ككل في التعبير عن هذا الجزء المحجوب والسري داخله. ولكن في كل عقد وعصر لا بد أن يقوم أحد بهذا الدور الرائد، حتى ولو كان عصر نقد للريادة والبطولة معا.

***

كان هذا ” الجيتو” المتمرد ينوب أيضا عن المجتمع، وليس الفرد: “مفرد بصيغة الجمع”، ولكن الجمع غائب وغير موجود أصلا ولا دلالة على حضوره. حتى وإن كان هناك التباس بين الفرد والمجموع داخل هذه النية، وداخل الكتابات، ولكنها استمرار لدور اجتماعي للأدب، ربما يمتد منذ الستينيات وعصور الالتزام، بالرغم من صيغته الفردية . ربما دخول مفهوم “الاعتراف” نفسه، الذي ساد آنذاك، أوصل الجماعة لأن تكون جماعة سياسية تقود الجماير النائمة، وتقف هي مكان “الفرد النقي” أو “المؤمن” أو “الملتزم القديم. ربما كانت تحتاج لصياغة مختلفة ومركبة لم تكن مطروحة في ذلك الوقت الفاصل العنيف.

***

هناك رواية سمعت عنها فقط ولم أقرأها. فقد تم مصادرتها لروائي كان شابا وقتها، سمير غريب علي، واسم الرواية “الصقار” وطبعت بالهيئة العامة للكتاب. كتب عنها الكاتب فهمي هويدي في عموده في الأهرام، منتقدا إياها ووصل انتقاده لحد تكفيرها، وتم لجوء صاحبها إلى فرنسا، ولا أعرف هل كتب شيئا بعدها أم لا، خوفا من الخطوات الأخرى المتوقعة في مثل هذه الحالات التي تكررت في التسعينيات بكثرة، والمثال ما حدث مع الدكتور نصر حامد أبو زيد وآخرين.

***

ظهر مفهوم “الله” في الكتابات آنذاك بقوة. لم يعد كما كان في الستينيات مفهوما رمزيا، أو كمفهوم إمبريالي كما عند اليسار، أو كمفهوم صوفي غامض كما في السبعينيات، ولكنه ظهر هنا بوضوح، كآخر يتم الحوار معه. ولكنه ظل هذا ” الآخر” مفهوما له علاقة بالسلطة الأبوية، لذا تم تسييسه ولكن بصيغة جديدة. أخذ هذا المفهوم المقدس يتشكل ويتجسد منذ الستينيات، ولم يجد له إلا أن يظهر بنفسه أخيرا، بعد أن كان رمزيا، داخل القصائد وتطرحه المخيلة خارجها. لذا تحول إلى مفهوم سياسي مباشر خالٍ من الثقل، سيتم استهلاكه سياسيا أكثر منه وجوديا.

***

مع اتساع مفهوم الاعتراف، اتسع أيضا مفهوم “الهامش”، ليس فقط للفرد، أو للجماعة المناهضة للسلطة، ولكن أيضا للمرأة. بدأت بعض النصوص تتحدث عن داخلها وتعرضه للخارج بدون خوف. قبل التسعينيات كانت المرأة المسيسة هي نموذج التحرر للمرأة. المرأة صاحبة الدور النضالي في المجتمع، مثل الدكتورة لطيفة الزيات، التي كانت تؤمن بأن أي ذات تتحرر مع تحرر الجماعة. لذا طريق السياسة كان مهما لأنه يحرر هذه الجماعة. أما في التسعينيات فلم يكن هناك جماعة، أو وعي سياسي يمكن أن تسلكه المرأة للتحرر، سوى كشف هذه الذات الأخرى المحجوبة وسرد تجاربها، والبحث عن مكان ندي في الاعتراف والبوح.

رافق هذا البوح ضعف شديد انتاب هذه السلطة الأبوية الذكورية للمجتمع، التي أخذت في التداعي مع التحولات الكبيرة العنيفة آنذاك. ظهرت كتابات لا تخشى من أن تشرح تجاربها وأفراحها وإخفاقاتها الجنسية بحرية تامة. دخل الجنس إلى حرم الحب بقوة، ولم ينفصل، بوصفه “تابو قديم” يجب الانتقام منه. كل التابوهات الاجتماعية المحرومة كان لها حق التمثيل داخل المركز الاجتماعي.

***

دخلت، ضمن حزب “الهامش”، في التسعينيات، “الذات “المثلية”. ظهر البطل المثلي بكامل وعيه ووضوحه وأفكاره وحياته اليومية وتجاربه، في رواية “دم فاسد” للروائي مصطفى الناغي ولم يعد هناك مواربة، ولم يعد هو البطل المتواري، في الكتابات السابقة، وراء دور المخنث.  

***

كان “الهامش” يعترف أمام “المتن ” الصامت المتفكك الآيل للسقوط. هكذا هي الحكاية القديمة لمفهوم الاعتراف ودوره في المجتمع: بقدر ما سالت الاعترافات، بقدر ما اهتز هذا المتن من قوة اللا وعي المتفجرة والذي تمثله هذه الاعترافات بداخله. ولكن للأسف لم يكن هذا المتن قويا، بل وخارج مركز وعيه تماما، أحاديا ومتفسخا، وعلى وشك السقوط بأشياء خارجية وداخلية. لذا لم تصبه هذه القوة التدميرية.

هذه وربما أيضا، لأن هذا “الهامش” نفسه كان جزءا أصيلا من هذا المتن المتداعي متداخلا بالمصالح والأفكار والآسلوب والأحادية. فكان الاعتراف نفسه لا يمتلك التركيب الذي يفضح “المؤامرة” أو يعلن “الفضيحة”.

***

وانضم إلى هذا “الهامش”، وإن كان في نهايات التسعينيات، كل المعترفين ممن كانوا ينتمون إلى جماعات دينية متطرفة تمت ملاحقتها من الدولة، وخرج الكثيرون من داخلها يعترفون بما كان يحدث داخل أسوار هذه القلعة الحصينة “للذات” الدينية المتعصبة.

دخلت الاعترافات وسحرها إلى معاقل هذه التجمعات واخترقت مخيلتهم عن طريق عمل مهم وطريف في آن “الدنيا أجمل من الجنة” لخالد البري، ليخبرنا عن الحياة اليومية وراء أسوار إحدى الجماعات الإسلامية في صعيد التسعينيات. لم يعد التابو هنا مفهوم “الله ” أو الجنس، ولكن إحدى “الجماعات الدينية” التى تحولت لتابو. روح الحكي، وليس الاعتراف، منحت العمل طرافة. فجاءت اعترافاته أو شهادته المطوبة الطريفة المتسامحة غير الغاضبة، لتودع حياة وتبدأ حياة جديدة.

وكانت هناك أيضا اعترافات لأحدهم أعضاء هذه الجماعات أتذكر اسمه الأول “شوقى”، بثها التليفزيون المصري على قناته الأولى. كان شوقي أحد “التائبين” الذين انفصلوا عن الجماعات، وهو داخل السجن، بعد الحوارات والمراجعات التي قامت بها الدولة آنذاك معهم داخل السجون. قال هذا العضو التائب، بما معناه، أنه في أثناء انتمائه لهذه الجماعة، كان يتفرج على مباريات الأهلى في “السر”، حتى لا تتهمه هذه الجماعة بالكفر، فكان يخفي حبه للأهلي داخل قلبه. وربما هذا “الحب المتعصب” هو الذي ساعده على الخروج من هذه “الذات الدينية المتعصبة”. لهذه الدرجة تكونت أسرار جديدة تبعا لهذه الذات المثالية التي طرحتها هذه الجماعات وطالبت أعضاءها بها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.